القائمة الرئيسية

الصفحات

التصوير والفنون الصغرى في بلاد اليونان

التصوير والفنون الصغرى في بلاد اليونان
التصوير والفنون الصغرى في بلاد اليونان

التصوير والفنون الصغرى في بلاد اليونان

-التصوير

بالنسبة للفن عند اليونان وما أنجزته حضارتهم، فكان التصوُّر إنجازاً حضارياً يساعدنا في إستكمال الخطوط العامة للمجتمع اليوناني؛ فوصلنا بعض الأمثلة من صور الفريسكو "هو الرسم بالألوان المائية على الجص المُبلَّل" في قصر كنوسوس في كريت، الذي يرجع إلى عصر الحضارة المينوية وهي صور يظهر فيها حس اللون بشكل أنيق ويظهر في بعضها التأثير المصري بشكل واضح، فيتبين لنا من خلال صورة مجموعة من النساء على جدران إحدى قاعات قصر كنوسوس وفيها نلحظ هذا التأثير في المنظر الجانبي للوجه "البروفيل" الذي أتبعه الرسامون المصريون دون الصورة المواجهة، أو في الوقفة وحركة الأيدي؛ فالحضارة المينوية ليست حضارة يونانية لكنها ظهرت في مناطق أصبحت فيما بعد من ضمن العالم اليوناني.
فإذا انتقلنا إلى نشاط اليونان في هذا المجال، قابلتنا عقبة أساسية هي ندرة ما تبقى من هذا الفن حيث تكاد أن تنحصر مصادره في الأوصاف التي وصلت إلينا ضمن الكتابات الكلاسيكية وفي النسخ الإيطالية لعدد من اللوحات اليونانية وفي بعض الأحيان من المقارنة مع اللوحات الإيطالية أصلاً والتي كانت معاصرة لمرحلة أو أخرى من المراحل التي مرّ بها فن التصوير اليوناني، وفي أحيان ثالثة من رسوم على مزهريات إستوحت بعض اللوحات، وقد بدأ هذا الفن عند اليونان في مرحلة متأخرة نسبياً إذا ما قارناه بفن العمارة أو النحت، فقد اشتهر أول رسام يوناني كبير وهو "بوليجنوتوس" في النصف الأول من القرن الخامس ق.م، وكان من مواطني جزيرة ثاسوس في شمالي بحر إيجة ثم اكتسب المواطنة الاثينية فيما بعد وقد قام بتنفيذ رسومه بطريقة الفرسكو في أغلب الأحوال في لوحات حائطية "اغلب التصوير اليوناني ظهر في لوحات حائطية" وإن كان قدم رسوماً على لوحات خشبية كما قدم رسوماً استخدم الشمع في تنفيذها بطريقة لا تزال غامضة لدى المهتمين بدراسة تاريخ هذا الفن "تشبه الرسم بالزيت في العصر الحاضر" كما قلد معاصروه بعض هذه الرسوم على عدد من المزهريات، وقد استوحى في عدد كبير من لوحاته موضوعات ميثولوجية ولكنه لم يقتصر على هذا الإتجاه إذ من المحتمل أنه رسم صورة لمعركة ماراثون "بين الفرس واليونان عام ٤٩٠ ق.م" كما رسم عدداً من الصور لأشخاص ظهر فيها شئ من تعبيرات الوجه وفي معالجته لهذه التعبيرات كان يتجه اتجاهاً نستطيع أن نصفه بالمثالية، إذ كان يحاول التعبير عن هدف أدبي أو أخلاقي مرتفع لرجال من النخبة سواء في لحظة إتخاذ قرار كبير أو في لحظة رد الفعل لحدث كبير ولكن مع ذلك فقد جاءت ألوانه متواترة كما جاءت أبعاد صورة بدائية تفتقد العمق نتيجة لعدم إستخدامه للتظليل في هذه الصور.
في أواخر القرن الخامس ق.م، شهدت تقدماً ملموساً في هذا الفن، حين أدخل الرسام الآثيني "أبوللودوروس" فكرة التظليل المتدرِج الذي يوهم بتجسيد الصورة وقد كان في الواقع أول من فتح الطريق في هذا الإتجاه فقد أتبع طريقته وطورها رسام يوناني آخر معاصر له وهو "زيوكسيس" الذي اشتهر في أواخر القرن الخامس ق.م وأوائل القرن الرابع، وكان من مواطني مدينة هيراكلية "إحدى المستوطنات اليونانية في منطقة لوكانية في جنوبي إيطاليا" وقد استخدم "زيوكسيس" فكرة الضوء بشكل ظاهر لُيكسِب لوحاته التجسيد المطلوب كما ظهر في هذه اللوحات نوع من التعبير الدافئ نتيجة لسيطرة هذا الفنان على تدرُج الألوان كما يظهر من لوحته التي صور فيها عائلة "الكنتاوروس" (هو مخلوق أسطوري عند اليونان نِصفه الأعلى إنسان ونِصفه السُفلي حيوان)، والتي يتدرج فيها اللون بشكل غير محسوس من القسم الإنساني إلي القسم الحيواني لأنثى هذا المخلوق.
من أشهر الرسامين اليونان هو "أبلليس APELLES" الذي اشتهرت لوحته ولوحات تلاميذه في أواخر القرن الرابع ق.م، وقد نفذ صورا لفيليب المقدوني ولابنه الاسكندر وللشخصيات المحيطة به، كما كان من أشهر ما قدمه صورة للإلهة "أفروديتي" وهي تظهر من البحر وتعصر شعرها المُبلل حتى تزيل عنه الماء، وصورة أخرى تتعلق بموضوع التضحية ويبدو من الأوصاف التي أعطاها للوحاته مثل وصف السحر أو الجاذبية، أنه كان يستطيع أن يتحكم درجات الألوان بشكل ظاهر، وتبدو حريته في إستخدام الألوان من إحدى اللوحات التي رسمها للإسكندر وهو ينتصر على الملك الفارسي "دارا" في موقعة "إسوس" عام ٣٣٣ ق.م، والمدينة في أقصى الطرف الأيمن من الساحل الجنوبي لآسيا الصُعرى؛ فقد أستخدم فيها لوناً أدكن من اللون الحقيقي لبشرة الاسكندر حتى يُبرزه إزاء الخلفية الفاتحة ومن ثم يحصل على العُمق الذي يريده، وقد وصلت لنا هذه اللوحة عن طريق نسخة نفذت بطريقة الفُسيفساء وعُثر عليها في أحد المنازل بمدينة بومباي في إيطاليا.

- زخرفة الفخار

فظهر فن آخر مقارب لفن التصوير اليوناني وهو فن تزيين الآواني الفخارية بالأشكال والصور، فتم العصور على أعداد كبيرة من هذه الأواني، وتقدم لنا مصدراً وفيراً لما أنجزه اليونان في هذا المجال، وفي الواقع فإن المخلفات الفخارية التي عثر عليها في بلاد اليونان ترجع إلى العصر البروغ المبكر الذي سبق عصر الحضارة الميكينية بفترة طويلة وقد انحدر هذا الفن في غمرة التأثير السلبي الذي عمّ المجتمع اليوناني في عصر الظلام الذي عاصر إجتياح الغزوات الدورية لبلاد اليونان خلال القرن الحادي عشر، ولكنه ما لبث أن استعاد موقعه في أوائل الألف الأولى ق.م، حين بدأ فن صناعة الفخار وتزيينه في بلاد اليونان عموماً، وفي آثينا بوجه خالص، يظهر من جديد "في أحجام ضخمة في بعض الأحيان" وقد زينته أشكال وخطوط هندسية أو أنماط جيومترية حسب تعبير المهتمين بالتأريخ لهذا الفن.
على أن تطوراً بدأ يظهر في هذه الأشكال في الفترة التالية فأخذت الأشكال البشرية أو الآدمية تظهر في تزيين الآنية الفخارية في القرن الثامن ق.م، ولكن التطور كان بطيئاً فبدت الصور المرسومة للأشخاص مستطيلة إلى حد كبير وغير واقعية، بل نستطيع أن نقول إنها كانت أقرب إلى النمط الجيومتري السابق منها إلى الشكل الإنساني، بعد ذلك تعددت الأنماط والأشكال بتعدد المدن اليونانية التي كان الفخار بالنسبة لها أداة إستخدام يومي شائع شيوع كل ما يتعلق بالحياه اليومية، ولكننا نستطيع أن نتبين من خلال هذا التعدد في الأنماط والأشكال اتجاهاً متأثراً بالشرق بدأ يظهر بشكل خاص منذ بداية القرن السابع ق.م، حاول اليونان من خلاله أن يقلدوا الرسوم التي كانت تُزين الأقمشة والسلع المعدنية الفينيقية والتي كان التجار الفينيقيون يحضرونها معهم في رحلاتهم التجارية إلى بلاد اليونان وهكذا بدأت تظهر على الأواني الفخارية رسوم لحيوانات حقيقي أو خيالية.
في بداية القرن السادس ق.م، شهدت تراجع هذا التاثير الشرقي أمام نوع جديد من الزخرفة بدا واضحاً أنه يستمد طبيعته من الحياه اليونانية ذاتها، فقد غلبت على الرسوم منذ ذلك الوقت تكوينات الأشخاص والصور المأخوذة من الممارسات اليومية أومن القصص الميثولوجية اليونانية، وقد برزت كورنثة بوجه خاص في فن زخرفة الفخار في القسم الاول من هذا القرن، فكانت خطوط الفنان في تحديد الأشكال على المزهريات لا تجارى في دقتها ومع ذلك فقد وجدت عيوب، وكانت المساحات تميل إلى الازدحام الظاهر بالأشكال كما كانت المساحات تميل إلى الازدحام الظاهر بالاشكال، كما كانت الألوان لا تظهر بشكل بارز فوق خلفية اللون البرتقالي المُنطفىء للفخار، وهكذا بدأت الآواني الفخارية الكورنثية تتوارى فب الأسواق منذ أواسط القرن السادس ق.م أمام الفخار الآثيني الذي استطاع أن يصل إلى ذروة لم يصل إليها الفخار الكورنثي.
قد مر فن الفخار في اثينا في مرحلتين أساسيتين/ ففي المرحلة الأولى أخذ الفنان الزخرفة الفخارية يرسم أشكاله بلون أسود لامع على خلفية اللون الفخاري والذي كان لونه الطبيعي بعد حرقه هو اللون البرتقالي وإن كان في حقيقة الأمر يتدرج بين اللون المائل للصُفرة إلى اللون الأحمر حسب ظروف الحرق، وقد تميز فن الفخار الآثيني آنذاك بقلة الأشكال والتكوينات التي كانت تظهر على المساحات الفخارية، وبلغ هذا الفن ذروته في عهد الطاغية الآثيني بيزستراتوس الذي تميز عهده برعاية كل أنواع الفن وتشجيعها بشكل ظاهر؛ وظل هذا النمط أو الإتجاه الذي تظهر فيه الأشكال كتكوينات سوداء فوق أرضية أو خلفية حمراء سائدة حتى حوالي الربع الأخير من القرن الخامس ق.م، حين عكس الفنانون الأثينيون هذا الوضع ليحل محل "الفخار ذي الأشكال السوداء" اتجاه جديد هو "الفخار ذو الأشكال الحمراء"، وكانت الطريقة الجديدة هي أن يحدد الفنان الخطوط الخارجية لأشكاله وتكويناته ثم يملا المساحات الواقعه بينها باللون الأسود اللامع فتظهر الأشكال بلون الفخار الطبيعي "أحمر اللون"، بعد ذلك يستخدم الفنان ريشة دقيقة ليرسم بها باللون الأسود بعض الخطوط التفصيلية التي تحدد الملامح المطلوبة للأشكال، وقد ظل الفخار الآثيني بأشكاله السوداء والحمراء مثالاً يُحتذى طوال القرن الرابع ق.م، في المستوطنات اليونانية في إيطاليا وإن كان قد بدأ يتراجع تدريجياً أمام اتجاه متزايد نحو إستخدام الآواني والكؤوس المعدنية وبخاصة بين أوساط الطبقة الثرية التي كان استخدامها للآواني الفخارية دون شك دافعاً لفنان الفخار يغريه بالمزيد من إعمال مهاراته وإبداعاته حتى ذلك الوقت.
فالفخار هو الفن الذي لم يفقد حس التناسب مع ظروف إستخدامه سواء من حيث شكل الإناء أو الرسوم التي كانت تستخدم في زخرفته، فكما أن حجم الإناء وشكله كان يتناسب دائماً مع الهدف من استعماله فكذلك كان الرسم يتناسب مع استدارة الإناء من جهة ومع ظروف استخدامه في الوقت ذاته، وعلى هذا فإذا كان الاستخدام دينياً "كانت توضع الآنية في المقبرة مع الموتى أو تستخدم في مناسبات الشعائر والطقوس الدينية ليوضع فيها الزيت أو النبيذ" كان الفنان يزينها بمناظر جنائزية أو بعض المناظر الميثولوجية التي تعطي هذا الإنطباع، وإذا كانت لاستخدامات في الحياه اليومية عمد الفنان إلى عدد من المناظر الأخرى سواء كانت ميثولوجية أو عسكرية أو منزلية أو مناظر أعياد أو مرح أو حتى مناظر خارجة احياناً، وساعد الفنان على هذا التنوع في إختيار مناظره وتنفيذها سهولة الرسم على الفخار، وهو أمر لم يكن متاح لفنان النحت، ولكن مع ذلك فإن افتقار الرسم الفخاري بالضرورة إلى العمق الذي كان يشكل الميزة الأساسية للنحت، حرم فنان الفخار رغم تعدد مواضيعه بلا حدود من أن تكون لهذه المواضيع القيمة الفنية العميقة التي من شأنها أن تترك على الناظر إليها أثراً باقياً.

- تشكيل المعادن

هي من الفنون الصغيرة، فقد وصل اليونان في مجال الصناعات المعدنية إلى مستوى غير قليل من التقدم وعثر المنقبون الأثريون على عدد من القطع الفنية المصنوعة من الذهب ترجع إلى العصر الميكيني ومنها كأس نسطور وقناع أجاممنون وعدد من القطع الآخرى التي تزين المتحف القومي في أثينا، يرجع تقدم الصناعات المعدنية في هذا العصر الى الصورة الشاعرية الخيالية التي يقدمها لنا هوميروس في عدد من مناظر ملحمتيه،⁦ فهو يحدثنا مثلاً عن عدد من المناظر التي نحتها هيفايستوس، إله الصناعة الأعرج، على الدرع الذهبية التي أهدتها الآلهة إلى البطل أخيليوس، وهي مناظر يظهر فيها رجال ونساء وماشية واغنام وجداول مياه واعواد قمح صيغت كلها من الذهب والفضة بدقة بالغة، ويحدثنا عن تيخيوس صانع السلاح الماهر الذي يذكر لنا الشاعر أنه صنع درعاً لأياس، استخدم في بطانتها سبع طبقات من جلد الثيران ثم وضع فوقها جميعاً طبقة من البرونز، ثم هناك لائركيس الذي يأمره نسطور، في أحد مناظر الأوديسية أن يغطي بالذهب قرون بقرة قبل أن يضحى بها أمام الإلهة أثينا، وقد مؤ بنا في أثناء الحديث عن فن النحت تماثيل الإلهة أثينا والإله زيوس التي نحتها ڤيدياس وغطاها بالذهب والعاج، كما نعرف من إحدى مرافعات الخطيب والسياسي الآثيني ديموسثنيس أن أباه ترك له في ميراثه مصنعاً يدوياً للسيوف، على أن الصناعة اليونانية للمعادن وبخاصة في مجال المعادن الثمينة لم يقم بها الفنان اليوناني في داخل بلاد اليونان فحسب، وإنما قام بهافي خدمة مجتمع واحد آخر على الأقل وفي هذا الصدد عثر المنقبون على عدد من القطع المصنوعه من الذهب والفضة في مقابر الأرستقراطيين من سكان اسكيشية، كانوا يحصلون على هذان المعدنان من مناجم جبال الأورال، والعمال يصوغون من الذهب ادوات الزينة الشخصية ومن الفضة أدوات المائدة، وتدل هذه اللُقى على إتقان الفنان أو الصانع لعدة طرق للصياغة من بينها صياغة المعدن المطروق والحفر وصياغة الزركشة بالتخريم أو التنقيب.
إنجي كريم خطاب
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات